مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
29
تفسير مقتنيات الدرر
وأمّا الميقات المذكور في هذه الآية أنّ القوم أخذتهم الرجفة ، ولم يذكر أنّ موسى اعتراه أمر شديد ، بل يدلّ على أنّه ما أصابه أمر ، حيث قال : * ( [ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ] ) * فاختصاص كلّ واحد من هذين الميقاتين بهذه الكيفيّة يفيد أنّ أحدهما غير الآخر . انتهى . * ( [ أَتُهْلِكُنا ] ) * قيل : استفهام بمعنى الجحد أي إنّك لا تفعل كذا وقيل : استفهام استعطاف أي لا تهلكنا . وقوله : * ( [ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ] ) * الضمير راجع إلى الفتنة كما تقول : إن هو إلَّا زيد ، والمعنى أنّ تلك الفتنة والامتحان لم يكن إلَّا امتحانك ، وأظهرت الرجفة وكلَّفتهم بالصبر عليها . قوله : * ( [ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ ] ) * فسّر الأشاعرة على مسلكهم الجبر أي أضللت بها قوما فافتتنوا ، وعصمت قوما فثبتوا على الحقّ ، وأيّدوا مذهبهم الباطل بظاهر الآية ، تعالى اللَّه عن ذلك فإنّ العقل السليم يأبى بأنّ اللَّه يجبر طائفة بالضلالة وطائفة بالإيمان فيعاقبهم بالضلالة ويثيبهم بالإيمان ، وكيف يعاقب على الكفر وهو جاعله ؟ فهذا العبد المجبور المضطرّ المجعول فيه الكفر على سبيل القهر كيف يجوز عقابه ؟ وأين العدل وهذا الأمر الشنيع ؟ قالت المعتزلة : المراد بالإضلال الإهلاك أي تهلك من تشاء بهذه الرجفة وتصرفها عمّن تشاء ، كما فسّر ابن عبّاس وجماعة فقالوا : المراد أنّ هي عذابك وقد سمّى اللَّه العذاب فتنة في قوله تعالى : « يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ » « 1 » أي يعذّبون فيكون معنى الآية : ليس هذا الإهلاك إلَّا عذابك لهم بما فعلوه من المعصية وعبادة العجل وعدم منعهم الشديد عن المعصية . قال سعيد بن جبير وجماعة : المراد من الفتنة التشديد في التعبّد والتكليف كقوله تعالى : « أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ » « 2 » وعنى بذلك الأمراض والشدائد ، قال : ما قال : تضلّ بها من تشاء من عبادك عن الدين ، بل قال : تضلّ
--> ( 1 ) الذاريات : 13 . ( 2 ) التوبة : 127 .